ولى الله احمد بن عبد الرحيم الدهلوي ( الشاه ولي الله الدهلوي )
39
حجة الله البالغة
أَقُول لما كَانَ من حق الصَّلَاة أَن يكثر مِنْهَا - وأصل الصَّلَاة يَتَأَتَّى قَائِما وَقَاعِدا كَمَا بَينا ، وَإِنَّمَا وَجب الْقيام عِنْد التشريع ، مَا لَا يدْرك كُله لَا يتْرك كُله - واقتضت الرَّحْمَة أَن يسوغ لَهُم الصَّلَاة النَّافِلَة قَاعِدا ، وَبَين لَهُم مَا بَين الدرجتين . وَقد وَردت صَلَاة الطَّالِب ، وَصَلَاة الْمَطَر ، وَصَلَاة الوحل : وَلم يترخص أحد من الصَّحَابَة فِي الضوابط وَالْحُدُود من ضَرُورَة لَا يجد مِنْهَا بدا من غير شَائِبَة الْإِنْكَار والتهاون إِلَّا وَسلمهُ النَّبِي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَوله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَإِذا أَمرتكُم بِأَمْر فَأتوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُم " كلمة جَامِعَة ، وَالله أعلم . ( الْجَمَاعَة ) اعْلَم أَنه لَا شَيْء أَنْفَع من غائلة الرسوم من أَن يَجْعَل شَيْء من الطَّاعَات رسما فاشيا يُؤَدِّي على رُءُوس الخامل والنبيه ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْحَاضِر والباد ، ويجرى فِيهِ التفاخر والتباهي ، حَتَّى تدخل فِي الارتفاقات الضرورية الَّتِي لَا يُمكن لَهُم أَن يتركوها ، وَلَا أَن يهملوها لتصير مؤيدا لعبادة الله ، وَالسّنة تَدْعُو إِلَى الْحق ، وَيكون الَّذِي يخَاف مِنْهُ الضَّرَر هُوَ الَّذِي يجلبهم إِلَى الْحق . وَلَا شَيْء من الطَّاعَات أتم شَأْنًا وَلَا أعظم برهانا من الصَّلَاة ، فَوَجَبَ إشاعتها فِيمَا بَينهم والاجتماع لَهَا ، وموافقة النَّاس فِيهَا . وَأَيْضًا فالملة تجمع نَاسا عُلَمَاء يقْتَدى بهم ، وناسا يَحْتَاجُونَ فِي تحصل إحسانهم إِلَى دَعْوَة حثيثة ، وناسا ضعفاء البنية وَلَو لم يكلفوا أَن يؤدوا على أعين النَّاس تهاونوا فِيهَا . فَلَا أَنْفَع وَلَا أوفق بِالْمَصْلَحَةِ فِي حق هَؤُلَاءِ جَمِيعًا أَن يكلفوا أَن يطيعوا الله على أعين النَّاس ليتميز فاعلها من تاركها ، وراغبها من الزَّاهِد فِيهَا ، ويقتدي بعالمها ، وَيعلم جاهلها ، وَتَكون طَاعَة الله فيهم كسبيكة تعرض على طائف النَّاس ، يُنكر مِنْهَا الْمُنكر ، وَيعرف مِنْهَا الْمَعْرُوف ، وَيرى غشها وخالصها . وَأَيْضًا فلاجتماع الْمُسلمين راغبين فِي الله ، راجين راهبين مِنْهُ ، مُسلمين وُجُوههم إِلَيْهِ - خاصية عَجِيبَة فِي نزُول البركات وتدلي الرَّحْمَة كَمَا بَينا فِي الاسْتِسْقَاء . وَالْحج . وَأَيْضًا فمراد الله من نصب هَذِه الْأمة أَن تكون كلمة الله هِيَ الْعليا ، وَألا يكون فِي الأَرْض دين أَعلَى من الْإِسْلَام ، وَلَا يتَصَوَّر ذَلِك إِلَّا بِأَن يكون سنتهمْ أَن يجْتَمع خاصتهم وعامتهم ، وحاضرهم وباديهم ، وصغيرهم وَكَبِيرهمْ ، لما هُوَ أعظم شعائره وَأشهر طاعاته . فلهذه الْمعَانِي انصرفت الْعِنَايَة التشريعية إِلَى شرع الْجُمُعَة وَالْجَمَاعَات ، وَالتَّرْغِيب فِيهَا وتغليظ النَّهْي عَن تَركهَا .